ابن قيم الجوزية

468

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقال : الرضاء ترك الخلاف على الرب فيما يجريه على العبد . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه : « لقد تركتني هؤلاء الدعوات ، وما لي في شيء من الأمور كلها أرب ، إلا في مواقع قدر اللّه . وكان كثيرا ما يدعو : اللهم رضني بقضائك ، وبارك لي في قدرك ، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته . ولا تأخير شيء عجلته » . وقال : ما أصبح لي هوى في شيء سوى ما قضى اللّه عزّ وجلّ . وقال شعبة : قال يونس بن عبيد : ما تمنيت شيئا قط . وقال الفضيل بن عياض : الراضي لا يتمنى فوق منزلته . وقال ذو النون : ثلاثة من أعلام التسليم : مقابلة القضاء بالرضى ، والصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء ، وثلاثة من أعلام التفويض : تعطيل إرادتك لمراده ، والنظر إلى ما يقع من تدبيره لك ، وترك الاعتراض على الحكم ، وثلاثة من أعلام التوحيد : رؤية كل شيء من اللّه ، وقبول كل شيء عنه ، وإضافة كل شيء إليه « 1 » . وقال بعض العارفين : أصل العبادة ثلاثة : لا ترد من أحكامه شيئا ، ولا تسأل غيره حاجة . ولا تدخر عنه شيئا . وسئل ابن شمعون عن الرضى ؟ فقال : أن ترضى به مدبرا ومختارا ، وترضى عنه قاسما ومعطيا ومانعا ، وترضاه إلها ومعبودا وربّا . وقال بعض العارفين : الرضى ترك الاختيار ، وسرور القلب بمرّ القضاء ، وإسقاط التدبير من النفس ، حتى يحكم اللّه لها أو عليها . وقيل : الراضي من لم يندم على فائت من الدنيا ، ولم يتأسف عليها . وللّه در القائل : العبد ذو ضجر والرّب ذو قدر * والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا * وفي اختيار سواه اللوم والشوم السابع والخمسون : أنه إذا لم يرض بالقدر وقع في لوم المقادير . إما بقالبه ، وإما بقلبه وحاله . ولوم المقادير لوم لمقدّرها . وكذلك يقع في لوم الخلق . واللّه والناس يلومونه ، فلا يزال لائما ملوما ، وهذا مناف للعبودية . قال أنس رضي اللّه عنه : « خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين . فما قال لي لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ؟ ولا قال لي لشيء كان : ليته لم يكن . ولا لشيء لم يكن : ليته كان . وكان بعض أهله إذا لامني يقول : دعوه . فلو قضي شيء لكان » . وقوله : « لو قضي شيء لكان » يتناول أمرين :

--> - أليس اللّه أحكم الحاكمين ؟ سبحانه مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) واللّه الهادي إلى سواء السبيل . ( 1 ) ليس إليه سبحانه إلا الحسنى ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وأخاف أن يكون مقصده وحدة الوجود . فإنه مشهور بها .